ابن كثير

247

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

هي تهتز كأنها جان ، وهو أسرع الحيات حركة ، ولكنه صغير ، فهذه في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة ، تَسْعى أي تمشي وتضطرب . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا حفص بن جميع ، حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ولم تكن قبل ذلك حية ، فمرت بشجرة فأكلتها ، ومرت بصخرة فابتلعتها ، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها فولى مدبرا ، ونودي : أن يا موسى خذها فلم يأخذها ، ثم نودي الثانية : أن خذها ولا تخف ، فقيل له في الثالثة : إنك من الآمنين ، فأخذها . وقال وهب بن منبه في قوله : فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى قال فألقاها على وجه الأرض ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون فدب يلتمس كأنه يبتغي شيئا يريد أخذه ، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها ، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها ، عيناه توقدان نارا ، وقد عاد المحجن منها عرفا ، قيل : شعره مثل النيازك ، وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف ، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ولم يعقب ، فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية . ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم نودي يا موسى أن ارجع حيث كنت فرجع موسى وهو شديد الخوف فقال : خُذْها بيمينك وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف فدخلها بخلال من عيدان ، فلما أمره بأخذها ، أدلى طرف المدرعة على يده ، فقال له ملك : أرأيت يا موسى لو أذن اللّه بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئا ؟ قال : لا ولكني ضعيف ، ومن ضعيف خلقت ، فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حسن الأضراس والأنياب ، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها ، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين ، ولهذا قال تعالى : سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى أي إلى حالها التي تعرف قبل ذلك . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 22 إلى 35 ] وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ( 22 ) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 24 ) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 ) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ( 34 ) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ( 35 ) وهذا برهان ثان لموسى عليه السلام ، وهو أن اللّه أمره أن يدخل يده في جيبه كما صرح به في الآية الأخرى ، وهاهنا عبر عن ذلك بقوله : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ وقال في مكان آخر وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ [ القصص : 32 ] وقال مجاهد : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ كفه تحت عضدك ، وذلك أن موسى عليه السلام كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها ، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر .